الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

الأناركية بين اللا سلطوية والفوضوية




وسط انشغالنا بانتهاكات الجيش السافرة لحقوق الإنسان وتعدية علي عرض فتيات المعتصمين وتشهير أبواقه الإعلامية بشرفهن للتغطية علي جرائم المجلس العسكري، فاجئنا ثلاثة من جماعة الإخوان المسلمين بتقدمهم ببلاغ للنائب العام ضد ثلاثة من المنتمين للاشتراكيين الثوريين المصريين يتهمهم بمحاولة إسقاط الدولة. والبلاغ حركه النائب العام في سرعة يحسد عليها ونتمناها لكل قضايا الفساد وللبلاغات المقدمة ضد الفاسدين والمفسدين، فلا مجال إذن للحديث عن البلاغ رهن التحقيق ولا عن إثارة قضايا غير ذات جدوى في أوقات لا وقت فيها للرفاهية الفكرية والجدال حول تصريحات و أفكار البعض.
لكن من بين ما سمعنا عنه وسط كل محاولات إلهائنا آتي مصطلح " الأناركية " جديداً علي مسامعنا. و بعد كل ما سمعنا من مثقفي التوك شوز - من أمثال الإعلامية حياة الدرديري علي قناة الفراعين التي علمنا مقررة علي الجنود في معسكراتهم - فإن ما ينطبع في أذهاننا عن الأناركية صورة عن الفوضى المسلحة.
في البداية فالبحث في مفهوم الأناركية بحث مرهق سنصطدم فيه بكم هائل من الاقتباس و إعادة الاقتباس و إعادة إعادة الاقتباس شأنها شأن كل ما تناوله المحتوي العربي من قضايا. و ما أقدمه هنا هو واحدة من تلك الإعادات لكن ما يفرقها عن غيرها أنها نحت في مقالات عدة تناولت الأناركية بين تأييد و بين معارضة. وهنا لا أبحث في تاريخها ومقدماتها و إنما أسعي أن لا نصاب بالبلاهة كلما سمعنا الكلمة ينطقها مثقفوا التوك شوز.

الأناركية كمعني فهي اللا سلطوية. وهذا ما يجعل البحث في مفهوم الأناركية مرهقاً فاللا سلطوية كما يفهم من معناها ضد كل سلطة بما في ذلك سلطة اللفظ و هيمنة الفكر. و بذلك يصعب تجميع اللا سلطويين في كيان حزبي له سلطة.
الأناركية تسعي إلي دولة دون حكومة مركزية. فيكون بحثها في تنظيم منهج للحياة لا أيديولوجيا تسعي للحكم. فهي تعتمد علي التعاون بين الأفراد وترفض فرض قيود علي حريات الأفراد من حكومات.
وهذا في معتقد الأناركيين لا يؤدي إلي الفوضى، بل ما يقدمونه ينظم لحياة الفرد، بنية المجتمع، فيكون الناتج نظاماً لا سلطوياً و لا فوضوياً.
و أصل التعريف الأشهر للأناركية بأنها الفوضوية يأتي من أن مصطلح الأناركية، المشتق مقطعيه من اليونانية، و الذي يعني اللا سلطوية، تأتي الفوضى ترجمة حرفية له في اللغات الأخرى.
و ما يدعوا إلي تمام الاعتقاد و وثق الفوضوية كمرادف للأناركية، أن الأناركية تبدأ من حيث تسقط الدول. و سقوط الدول في مفهوم أصحاب الأيديولوجيات هو فوضى. وهو ما يرد عليه بأن أي حقبة فاصلة بين أيديولوجيتين هو مرحلة سقوط و فوضي. و مرحلة الفوضى الفاصلة تلك والتي تأتي عقب سقوط منهج لا تعني أن كل منهج آتي هو فوضوي. فمصر في فوضى عصر الانفتاح الساداتي، والذي أصَّل للعودة الرأسمالية بل أدي إلي ما آلت إليه أحوالنا بين رأسمالي فاسد و أخر محتكر، كانت مصر في أشد عصور الدولة العسكرية وهجاً.
يقدم الأناركيون بديلاً للدولة المركزية يتمثل في مجموعات متعاونة، يكونها الأفراد صاحبي الاهتمام، و هو ما يقصد به اللجان الشعبية.
وقد مرنا جميعاً بمرحلة قريبة الشبه بما يمكن أن يجعلنا نتصور ما تفترضه الأناركية، ففي يوم 28 يناير 2011 و مع الغروب سقطت الدولة تقريباً، الأصح .. سقطت الدولة حقاً، و ما أن حل الظلام حتى أصبح المصريون أمام خيار واحد لا بديل له .. الأناركية. تكونت لجان شعبية للحماية ويوما بيوم تكونت لجان لتوفير المؤن لبعض المناطق و لجان للخدمات .. الخ.
وهذا ما يبرهن أن الأناركية لا فوضوية، فوقت أن اعتمدت السلطة الفوضى منهاجاً لمواجهة ثورة الشعب، أعتمد الشعب اللا سلطوية نظاماً حياتياً لمواجهة الفوضى!.
وكل ما كان أن السلطويين و أبواقهم الإعلامية روجوا لفكرة الفوضى كمقابل لسقوط دولة مبارك. لكن ما حدث في المقابل أن المصريين "الأناركيين بطبعهم" تغلبوا علي الفوضى بأسلوب حياتي منظم لا يعتمد علي السلطة و لم يستخدم العنف بل قابل العنف بصدور عارية وأحجار وكوكاكولا لمقاومة الغاز .. و يد بيد.
وهذا ما نجده في الأناركيين أنفسهم، فهم لا يستخدمون العنف أسلوباً للإسقاط مركزية الدولة، إنما يعتمدون علي التظاهر السلمي و الإضرابات كأداة ضغط. لكن الله أعطى لكل مخلوقاته أدواتها التي تجابه العنف بها. فكما القط يستخدم أظافره وقت الخطر وينبش وجه من يهاجمه، فالأناركيين يستخدمون الحجارة في مواجهة عنف أجهزة الدولة.
الأناركية هي إذا أسلوب حياة لا سلطوية تبغض سيطرة الدولة المركزية وتواجه الفوضى بتعاون أفراد المجتمع وتشاركهم في تسيير أمورهم بما يضمن حرية كل فرد و يحفظ حدودا فاصلة بينها بواسطة ما يعرف بالمجالس العرفية التي لا سلطة لأحد عليها غير عادات و أخلاق أصحابها وحرياتهم.


علي الهامش :
v أتمني أن أتوسع يوماً في فهم الأناركية، الاشتراكية، الرأسمالية، الليبرالية، الدولة ومقدماتها، حتى أكتب عن الأناركية وتعريفها الأصح كاشتراكية تحررية تبغض الدولة الاشتراكية، و لأجهض المصطلح الزائف "الأناركية الرأسمالية"، ولأفرق بين مفهوم الحرية في معتقد الأناركيين وتناولة من قبل الليبراليين.
v أعتقد – حتى الآن - أن الأناركية تتبني أسلوباً مثالياُ للحياة، لا يمكن تحقيقه قبل أن يتبنى بني البشر جميعاً الأناركية كفكر للحياة، ودون ذلك فهو سعي للمدينة الفاضلة.


هناك تعليق واحد:

  1. يحاولن دائما اللاعب بالالفاظ الكبيره التى لا يفهما الشعب لتخويفهم وخلاص ... شكرا لتوضيحك للمفهوم

    ردحذف

ليصلك الجديد أشترك بالبريد