الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

شجـــرة البــرتقــال


ولد وحيدا كأبيه دون أخ أو أخت, وكانت أمه ذات الأصول الرفيعه ترفض أختلاطه بأقرانه من أبناء الحي، كانت تري أن حيهم صار ليس بحيهم في ذلك العصر الذي صار فيه تاجر الروبابيكيا الذي كان يسكن الازقه خلف الحي من سكان الحي فكما شوهت بنايته العاليه نسق الحي حتما سيشوه أبناءه أبنها، هم - كما تقول - كالمرض العضال يسري في العروق فيخرج الصحه من الجسد وقد هرب جميع سكان الحي الاصليين تاركين لهم ماضيهم يهدمونه ويقيمون بدلا عنه مجموعه من الابراج سيئه التصميم، شب كارها لسكان الحي الجدد الذين رفضت أمه ان تتلقي عزائهم في أبيه, فأماتوها كمدا وقهرا علي جمال فقدته في حياتها.
أضطر بعد موت أمه أن يعتمد علي نفسه، فبجانب عمله صار مسؤولا عن نسق حياته .. أشتري منبها ليوقظه في الصباح .. تعلم كيف يصنع كوبا من الشاي يشربه بجانب قطعه الجبن في الصباح .. أعتاد كي ملابسه .. يقرأ الفاتحه ويهديها لروح أمه التي لم يعد عطرها يملا سيارته في الصباح .. يذهب لعمله من الطريق المختصر الذي علمته له بعد أن أصابت عشوائيه السكان الجدد العاصمه بالازدحام ويعود منه بعد العمل .. يبكي طعام أمه الصحي وتعتصر معدته الام سببتها الوجبات السريعه بعد أن فشل في تعلم فن الطهي .. يقضي المساء في تصفح الجرائد وقراءه بعض الروايات وسماع الموسيقي وعندما يذهب لينام يقضي ساعتين أو أكثر يبحث عن ملابسه النظيفه أين وضعها حتي يتعب فينام.
نصحه آحد أقرباءه ممن كانوا يزوروه أن يتزوج ففشل في الأتصال بعائلات الحي الاصليين بعضهم تزوجت بناتهن والبعض هاجر والبعض يترحم علي أبيه وأمه وأيام العز ويودعوه بأبتسامه صفراء.
أما فتاه الحي بنت مالك العقار المقابل لبيته فهو لا يحبها .. هي تحبه وهذا طبيعي؛ من وجهه نظره .. أما هو فلا يقبل أبيها .. وفي كل مساء يتمني أن لا تزوره في أحلامه .. فلن يتزوجها .. في الحقيقه .. لايملك مهرها .. ولا يملك أبيها شرف مصاهرته.
تزوجت فتاه الحي وأنقطعت تدريجيا عن زيارته في أحلامه ومر الوقت فأعتاد الطعام السئ والليل الطويل وهرب من الجو المترب والحجرات المتسخه إلي الحديقه التي أهملها .. تحيط جوانب المنزل الاربعه ارض فضاء خاويه زرعها ببعض الورود وشجره برتقال غير مثمره وشجره زيتون جاف ساقها لكن السكان يتفرجون عليه من شرفاتهم العاليه .. فتحول الي الارض خلف المنزل لا يمكن لآحد أن يراه هنا .. بني سورا عاليا يغطي الحديقه ويمنعها عن الناظرين وفي خلف المنزل رمي بذورا لم تنبت فرمي غيرها وغيرها حتي أن نبتت واحده .. أستيقظ صباحا لاحظ نبته خضراء في الارض .. فرح بها وبدأ يرعاها .. أهمل الحديقه كاملها وتفرغ للشجره ولما كبرت وصارت بقرب ركبتيه بان لها أغصان جلس مستندا علي ساقه وقطف آحدي ورقاتها فركها بين أصبعيه ففاحت رائحه ميزها أنها برتقال .. من جميع ما رمي من بذور نبتت شجره برتقال .. أشتري كتبا ليتعلم رعايتها .. غير حجرته ونقل حاجته إلي الغرفه التي يطل شباكها عليها.. وحين صارت في مثل طوله أخرجت زهره بيضاء وكان ربيعا .. أستيقظ من يومه صباحا وكعادته أن يلقي نظره عليها من شباك غرفته لاحظ تلك الزهره البيضاء .. نزل ليستوضحها ويتأكد فآثرته بعطرها .. صعد يبحث في أشياءه القديمه حتي وجد كاميرا شمسيه قديمه اهدتها له أمه صغيرا ليتعلم فن التصوير ولم تعجبه .. حاول أستخدامها ففشل .. أرتدي ملابسه في عجله وذهب إلي محل لبيع أدوات التصوير .. وجده مغلقا .. كان الوقت مبكرا .. فعاد إلي الشجره يتطلع إليها .. حين أتصل زميل العمل يستفسر عن سر تأخره سأله عن كيفيه أستخدام الكاميرا فلم يجيبه .. اغلق التليفون وعاد إلي المحل أخبره صاحب المحل أن الكاميرا بها عطب ولا يمكن أستخدامها وباعه واحده جديده اخبره أنها ديجيتال وبها ذاكره تحتفظ بالصور وعلمه كيف يستخدمها .. عاد وصور الشجره وأعتاد أن يصورها كل صباح وكل مساء حتي آمتلأت الذاكره أخبره صاحب المحل أن يشتري جهاز كمبيوتر يمكنه من حفظ الكم الهائل من الصور وربما تعلم كيف يصنع صورا فنيه ببرنامج الفوتوشوب .. دله إلي ذلك كله .. كان يضطر إلي ادخال ذلك الصبي كلما توقف الكمبيوتر يغدق عليه دوما بالمال كي لا يتأخر ويناديه باشمهندس ويضحك لذلك الزمن الذي صار فيه هذا الولد باشمهندس لاتقانه بعض أمور الفهلوه .. يعتبره نصاب صغير ماهر في الاقناع ولا يعرف كيف تركه يتسلق اسوار منزله ويتجول بحريه في منزله يشوه المنظر الخارجي لشبابيك البيت العاليه بذلك السلك الذي سيجعله يتصل بالعالم الخارجي .. " هاتنصب عليا بسلكه عشان تاخد اشتراك كل شهر وتقولي انترنت .. خد الاشتراك وشيل السلك ده .. ومش هاتقنعني المره دي كمان" .. لكنه اقتنع في نهايه الامر.
"
رجل .. فى العقد الخامس .. اعذب .. ملتزم " .. هكذا كتب في تعريفه بصفحته الخاصه علي الفيس بوك. تعرف علي الكثيرين احب الليل كثيرا غير تعريفه الي " فارس النهار اثير الليل " .. سألناه يوما : " مابقتش ترفع صور الشجره ليه؟" .. ربما نسي مره ألتقاط الصوره .. لكنه أعتاد أن ينسي ألتقاط الصور .. ربما تعجبه بعض الصور التي يلتقطها من حين الي اخر .. بعض اوراقها ذبلت اصفرت تساقطت .. فشوهت الصوره .. تراكم الورق المتساقط حول جزع الشجره .. وجد فيه جمالا فالتقط صوره مزج بين الاخضر الرطب والاصفر الناشف وذهب .. نسي مره المياه فغرقت الحديقه وصنعا طينا .. لكن الطين به أثار اقدام ليست اقدامه .. الحائط ملوث ببعض الطين .. سمع صوتا بحث عنه وجد قطه شارده تعبث .. ربما تسلقت إليه هربا من الخارج .. ألقي إليها بشئ تأكله وأنصرف إلي جهازه فتح الفيس بوك وكتب " الله يرحمك يا أمي .. ماكنتيش تتخيلي أني هتواصل معاهم من خلال الفيس بوك!! " .. وتوالت التعليقات تحمل كثيرا من النكات وأنقضي الليل كما ينقضي.
وكان صباح يوم آخر أستيقظ علي صوت خبط طوبات تتقاذف شردت احداهم وأصطدمت بشباك غرفته .. نزل ليري ما يحدث وجد اطفالا يتسلقون سوره ويهربون إلي الخارج جري ناحيتهم لكنه لم يلحق بهم نظر الي حديقته فلاحظ الشجره وقد صارت أعلي من السور .. تعجب كيف أنه لم يلحظ هذا من قبل .. وحين دقق النظر وجد ثمارا خضراء بدأت الشجره في طرحها ففهم ان الأطفال دخلوا ليسرقوا خير شجرته أخذ يصرخ حتي وصل صوته خارج السور أنهي كلامه بترحمه علي أمه التي كانت محقه في ظنها فمتشردوا الازقه سيلوثون أبنها ويخطفون خيره .. لم ينهي صراخه حتي قرر قطع الشجره غير اسفا ليتجنبهم .. آتي بمنشار .. قطع الشجر وتركها ملقاه علي الارض .. شد السلك الملقي من فوق للسور وقطعه .. وعاد إلي غرفته


هناك 4 تعليقات:

  1. يالهوى !



    نهاية .....

    مالقيتلهاش وصف !

    ردحذف
  2. عرفت كويس ازاي تخليني اقول عليه انسان سخيف
    مختلفة اوي

    ردحذف
  3. مؤلمة اوي وخصوصا انها جاتلي في وقت من أسوأ أوقات حياتي واحساس شبه احساس بطل القصة

    ردحذف
  4. ليه يامحمد
    ليه القسوه دي مع البطل بتاعك
    ليه قفلت ابواب الرحمه في وشه كده
    ياقاسي يابايخ

    ردحذف

ليصلك الجديد أشترك بالبريد